حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

157

التمييز

قصيا ، والعزّ وإن كان صاحبه مهينا ، والغنى وإن كان فقيرا ، والقدر وإن كان أميرا . لا عقل لمن لا أدب له ، ولا حياء لمن لا دين له . ويقال : رأس الأدب معاملة النّاس بالجميل ، ومن كثر أدبه كثرت حوائج النّاس إليه وإن كان فقيرا ، وبعد صيته وإن كان خاملا ، وساد وإن كان وحيدا . إنّ ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في منزلته ، وابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه ، وأحسن الأدب أن لا يعجب بأدبه ، ليس شيء يعدل ألفا مثله إلّا الانسان ، شعر « 1 » ( الطويل ) ولم أر أمثال الرجال تفاوتا لدى الفضل حتى عدّ الف بواحد وجاء في الحديث : « واللّه ليس لأحد على أحد فضل إلّا بعمل حسب الرجل خلقه وكرمه ودينه » « 2 » ، وقيل في قوله تعالى وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً « 3 » ، الظاهرة استواء الخلق والباطنة حسن الخلق . وقال حكيم : حسن آداب الظاهر عنوان حسن آداب الباطن ، لان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « لو خشع قلبه خشعت جوارحه لمّا عبث رجل بلحيته في صلاته » « 4 » ، خير الأدب ما حصل لك ثمره وأظهر عليك أثره . وقال أرستطاليس « 5 » : الأدب أنس إن شيئت أنسا ، وكنز ان أردت كنزا ، وجمال إن أحببت جمالا ، ومثوبة إن قصدت ثوابا . وإذا فاتك الأدب فالزم الصمت فإنّه أدب / 63 أ / من لا أدب له ، وجاء في الحديث « لو اجتنب النّاس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم واستغنوا عن المؤدّب » ، وقال لقمان : كفى أدبا لنفسك ترك ما كرهته من غيرك ، الأدب شريف لا ينطبع إلّا في مثله ، ولطيف لا يدركه إلّا من كان فيه مثله ، وأمّا الحكمة للأخلاق فهي كالطب للأجساد ، شعر ( البسيط )

--> ( 1 ) قائل هذا البيت البحتري ، ديوان البحتري 1 / 65 ؛ الاقتضاب ، ص 62 . ( 2 ) رواه الإمام ابن حنبل في مسنده 4 / 145 ، 586 ؛ المستدرك ( كتاب العلم ) 1 / 123 . ( 3 ) سورة لقمان : آية ( 20 ) . ( 4 ) الفتح الكبير 3 / 44 . ( 5 ) عالم في علم الطب وفيلسوف اليونان وخطيبها ، له اشعار وكتب في مختلف الفنون ، طبقات الأطباء والحكماء 25 - 30 ؛ مختار الحكم 178 - 184 .